فليُقرع جرس إقرث – نداء نصير

 

استفاقت القرية الجليليىة صباح يوم السبت في الثلاثين من تشرين الأوّل عام 1948 على صوت جرس الكنيسة– كنيسة الروم الكاثوليك وهي الكنيسة الوحيدة في البلدة، معلنًا بصوته الصدّاح الذي وصل بلدة الرميش اللبنانية، التي تبعد مسافة نصف ساعة على الحمار! معلنًا أنّ هنا إقرث..

لم تكن من عادة الكنيسة أن تدقّ الناقوس صباح يوم السبت.. أي يوم هذا؟ التقت عيون أهل القرية في تسآلها.. ما من عُرس وما من مأتم وما من احتفال.. فعيد الميلاد المجيد سيزور القرية بعد شهرين..

هرع سكان القرية الى باحة الكنيسة المزروعة كالسنديان في وسط القرية ليستطلعوا الأمر الغريب.. وتجمّعوا هناك حول الكنيسة وأمام بوابتها المتواضعة، ولغطُهم يعلو فيعلو، حتّى أوقظ الحلزونات النائمة في سبات عميق بين النباتات الخيّرة على تراب إقرت..في ظلّ البرد القارص الذي بدأ يتسلل خفية في ساعات الليل المتأخرة ويُرغم أهلها أن يتلّحفوا جيّدًا في ساعات الصباح الباكر..

خرج جميعهم وعيونهم يأكلها النعاس وجفونهم شبه مطبقة.. ومن جملة مَنْ هرع الى هناك ذلك الطفل الحالم الذي رضع أجمل سني عمره من تراب إقرث وشمّ هواءها الربيعيّ والخريفي مدّة 10 دورات، ولمّا يشبع!!

ورذاذ ينزل من صفحة السماء، ومقولة تناقلت كسرعة البرق، لامست أذنيّ حنّا: “جيش الإنقاذ ترك البلد”!!

_____________________________________

في بيته الكائن في حيّ عباس العريق كان اللقاءبذلك الرجل الذي لم يتوان للحظات ولم تؤخرّه وعكة أو حجة، فيزور بلدته مرتين أسبوعيًّا.. لماذا؟ سؤال استنكاريّ غبيّ.. لأنها ببساطة بلدته التي فيها نطق حروفه الاولى وحبا لأول مرة ومشى هناك بين خبايا السنديان والبلوط والمشمش والزيتون.. ولأنها- اي إقرث تحتضن بين نسائمها وعبق رائحتها الجليليلة وتحت ترابها زوجهُ- شريكة العمر، فنبتَ على قبرها البرقوق وعصا الراعي الإقرثي بامتياز..

حنّا ناصر- ابن إقرث، مواليد عام 1938، رجلٌ يمتلك علمًا ومعرفة وإلمامًا واسعًا في عدة مجالات، فراح يخرج عن سياق اللقاء، فيعطيني مما قرأ في السياسة ولسان العرب والدين والاجتماع وغيره وغيره..

فكانت عيناه مهد سرير لتلك الطفلة إقرث- فما كرت، مثله تمامًا.

عن قريته يحدّثنا الاستاذ حنّا ناصر بلكنته الريفية ممزوجة مع القاف الخفيفة، وعلى حدّ قوله هي قافٌدرزية وليست قافٌ قوية مثل أهل معليا، فيقول: “هي إقرث قرية زراعية، سكن فيها حتى عام 1948 450 نفرًا، مع أراض واسعة، مساحتها 25 الفًا و650 دونمًا. كما وكانت البيادر واسعة وشاسعة، تقام فيها الأعراس والأفراح، وفي الأفراح كانت ملتقىً للشباب والصبايا، فيغازل الشب الصبية ويلحقها لينال منها نظرة رضا وإعجاب.

كان يزرع سكان القرية الدخان، وكل واحد يأكل مما يزرع وكان السكان يشترون البرتقال والبطيخ وهي فواكه لم تتوفر امكانية زراعتها في القرية بحكم المناخ، تمويل هذه المؤن كان يتم من خلال زراعة الدخان.

الصفّ الثالث والتالتة ثابتة!!

على الرغم من قلة عدد سكان القرية، إلا أن الناس كانوا مصرّين على تعليم أبنائهم، فحوت القرية على مدرسة واسمها الكامل: مدرسة إقرث كاثوليك أسقفية جامعة، وهي عبارة عن غرفتين، الغرفة الأولى أعدَّت لصفوف الاول والثاني، والغرفة الثانية أعدّت لصفوف الثالث حتى السابع. كان يتعلم فيها أولاد من إقرث ومن خارج البلدة (من طربيخا، النبي روبين وسروح-وهي ثلاث قرى شيعية كانت تابعة للبنان وقد تمّ تدميرها وتهجير أهلها). قد تعلّم التلاميذ اللغة العربية والانجليزية والحساب والجغرافيا والتاريخ، وكان عدد التلاميذ في كل صف 5 تلاميذ! وكان المدرّسون من إقرث. كما ويذكر الأستاذ حنّا أن مدرسةً للبنات كانت قد أقيمت أيضًا على أرض البلدة وقد أغلقت بعد أن تركت الراهبة المشرفة عليها القرية.

يضحك العمّ حنّا وهو يسرد قصّة إعادته صف الثالث ثلاث مرات. في المرة الأولى درس الصف الثالث في القرية، وفي المرة الثانية ولأنّ أهالي إقرث رفضوا أن يخسر الأطفال المواد الدراسيّة في زمن الحرب، فقرروا ن يعيدوا صفوفهم مرة أخرى، وحين التجأوا الى الرامة، لم تقبل الرامة بشهاداتهم، فأعادوهم صفّهم.. يعني بالمجمل العام تعلّم العمّ حنا ناصر ثلاث سنوات في الصف الثالث، حتّى خرج منهاج تدريس الصف الثالث – كما يقال- من مناخيره!

إقرث ما بين البصّة وعكّا

 كانت إقرث تابعة لقضاء عكا، وتبعد عن المدينةحوالي 25.5 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي. تواجدت القرية على تل شديد الانحدار، على ارتفاع 550م عن سطح البحر، يبعد بضعة كيلومترات عن الحدود اللبنانية. وقد كان يستقل سكان القرية حافلة تخرج صباحًا من طربيخا، تعرِّج على إقرث وصولا الى مدينة عكا، وتعود الحافلة ذاتها بعد الظهر. صحيح أن إقرث قضاء عكا، لكنّ بالنسبة للإقرثيين البصة (قرية مهجّرة) هي المركز، منها يتم شراء كل ما يلزم. أمّا عكا فكان ينزل فيها من احتاج الى طبيب.

____________________________

ويعود الطفل حنّا ويشدّ أطراف الحديث ليسترق أصول الحكاية: لماذا غادر جيش الإنقاذ؟ والى أين ذهب؟ وما الذي ينتظرنا بعد أسبوع؟ لم يكن يعلم حنّاالصغير أنّ الانتظار لم يكن ليحتاج إلا ليوم واحد.. ففي اليوم الثاني- أي الأحد 31 تشرين الأول عام 1948، قُرِعَ ناقوس الكنيسة قرعًا بطيئًا متآكلا حزينًا متقطّعًا..

بعد خلو إقرث من جيش الإنقاذ دخلت قوات كتيبة 92 من الجيش الاسرائيلي القرية، فرفع الاهاليالعلم الأبيض على سطح الكنيسة، حيث استقبلهم السكان بقيادة كاهن القرية -الخوري إندراوس قرداحي وهو يحمل الإنجيل بيديه وخلفه مجموعة من عجائز البلدة يحملون الأعلام البيضاء والخبز والملح وهي الطريقة التي يستقبل فيها اليهود زائريهم. هكذا دخل الجيش الإسرائيلي القرية دون أي مقاومة من السكان وبدون إطلاق أي طلقة من أي كان أو أي مكان..

تمّ الاستيلاء على البواريد التي كانت بحوذة الشباب الذين أحضرهم المختار، فما أن دخلوا القرية حتّى صفّوهم في البيادر ليطلقوا عليهم الرصاص، فوقف الخوري- راعي الكنيسة أندراوس قردحجي وهو من البصة- وقف أمام الشباب ليصدّ عملية القتل.

تواجد الجيش في القرية مدّة أسبوع، يعني آكلين شاربين نايمين على حساب أهل القرية، بعد أسبوع من إقامتهم طلبوا من مختار البلد الرحيل لمدة أسبوعين الى قرية الرامة! حتى تهدأ المعارك في المنطقة!. لم تكن معارك في تلك المنطقة، فقد أتى الجيش من غرب البلد ومن شرقها، ولم تكن معارك لا شرقًا ولا غربًا.

لم يوافق سكان القرية على مغادرة البلدة والذهاب الى الرامة، لكنّ الجيش تعنّت في قراره فترك لهم خيارين أمرّين: إمّا الرامة وإمّا لبنان.. فكانت الرامة مربط الفرس لحين العودة..

وتساءلني نفسي.. انّو جيش الإنقاذ.. وين راح؟

جيش الانقاذ يا عمي عاش على حساب الناس.. في يوم قمنا.. فِش.. بَحْ جيش الانقاذ!
طيب وين راح؟؟ اختفى.. فصّ ملح وداب!
ما علينا..
وشو صار مع أراضي إقرث؟؟
انباعت!
مين باعها؟؟
المطران الحكيم.. استولى على الأراضي وباعها..
وين راح هو كمان؟؟
بَحْ.. فص ملح وداب..
وإقرث..
بَحْ.
طيب ليش الرامة؟؟ جغرافيًا مش قريبة.. علاقات نسب؟ قرابة؟؟
لأ.. لا هدا ولا هداك..
طيب ليش الرامة؟؟ كل عمري بسأل هذا السؤال وما حدا مجاوبني عليه. ليش الرامة؟؟
حسب إدعاءات البعض، كان هنالك شخص من الرامة يدعى جميل نخلة.. زعيم. يعني زعيم. وكان صديق المطران حكيم..
مين حكيم؟
اللي بيَّع كل اشي..
اه، فهمت.. طيب..
مسيحية الرامة هربوا ومسلمين الرامة هربوا.. وبقيوا الدروز.. ومسيحية الرامة أغلبية روم ارثوذكس.. فلازم نكتِّر الكاثوليك بالبلد.. فجابونا إحنا اللي صرنا لاجئين.. تكملة عدد يعني..
مش فاهمة..
بديش أفهم..
وبلا ما أفهم..

تهجير السكان من إقرث

في صبيحة يوم الجمعة 5/11/1948 طلب قائد الجيش المدعو موشيه إيرم من سكان القرية تجهيز أنفسهم للرحيل إلى الرامة لمدة أسبوعين, معللاً ذلك بالمحافظة على سلامة السكان!!… وقد أخذ أهل القرية مؤنة تكفيهم مدّة هذين الأسبوعين، ذلك لأنه لم يسمح لهم الذهاب إليها بسبب فرض الحكم العسكري، الذي كان يعطي تصاريح جماعية للناس.إحضار المؤن تمت بواسطة سيارات شحن.

بدأ الترحيل عند فجر 6/11/1948 واستمر ثلاثة أيام, بواسطة شاحنات الجيش الإسرائيلي. أبقي في إقرث حوالي ستين شخصًا من رجال ونساء برفقة الخوري لحراسة البيوت كما ادعى ضباط الجيش لمدة ستة أشهر. بعد بتاريخ 29/4/1949 نقلت شاحنات الجيش المجموعة التي بقيت في إقرث للرامة وهكذا أُخليت القرية من أهلها تماما. خلال سنة 1949 أعلن وزير الدفاع عن المنطقة الواقعة بضمنها إقرث كمنطقة أمنية مغلقة.

الكنيسة الشاهد الذي لا يعلو فوقه شاهد

لم يبق من معالم إقرث اليوم سوى كنيسة الروم الكاثوليك وهي عبارة عن بيت عربي بناء من الحجارة ذي سطح مستو يعلوه برج مستطيل للجرس. وللكنيسة باب مستطيل يرتفع فوقه قوس مزخرف ونقوش في العتبة التي تعلوه. وفي الواجهة الرئيسية تشكيلة من الصلبان كل منها في مشكاة، بما في ذلك صليب فوف القوس وصليب لاتيني كبير على الباب يحيط به صليبان صغيران على الربعين العلويين منه. عام 1945 أضيفت قبّة من باطون وجرسيّة حديثة. ظلّت الكنيسة مهملة حتى سنوات الخمسين من القرن الماضي، فقد حوِّلت الى حظيرة للأبقار والاغنام.

عندما مات جدّ حنا والد أمّه، وبحسب وصيته، أن يدفن في إقرث، فساقوا المسيرة الجنائزية محملين على أكتافهم جسده الواهن وروحه الطاهرةـ، ودفن هناك، إلا أنّ الجيش منعهم بحجة ان لا وجود لتصريح، فتمّ نبش القبر ونقل الجثة الى قرية الرامة.

عام 1970 أعطيت تصاريح الدفن في إقرث ومن يومها يدفن الإقرثيون موتاهم تحت ثرى إقرث.

وفي عام 1972، ذهبت مجموعة من كبار السن من أهل البلدة الى إقرث وأقاموا اعتصامًا داخل الكنيسة، وقاموا بطرد الأبقار منها، ومن يومها تقريبًا هنالك تواجد دائم ومستمر في البلدة.

تمّ ترميم الكنيسة عن طريق أمر اصدرته محكمة العدل العليا، حيث أدخلت الكهرباء، وتقرر إقامة الصلوات كلّ أوّل سبت من كل شهر.

قبل ست سنوات قرر شباب القرية حماية الكنيسة والتواجد بشكل يومي ودوري هناك، فتسهر عيونهم وتحلو سهراتهم على حكايات إقرث المغرِّدة فرحًا بوجودهم.

ليلة الميلاد يمّحى البغضُ.. ليلة الميلاد تُدفنُ الحربُ

أصدر قرار بعودة اللاجئين الى إقرث، وكان ذلك عام 1951، رقص الإقرثيون في الشوارع وتحضّروا كمن يتحضّر لعرس، ووزع عليهم الحاكم العسكري أقفالًا لإغلاق البيوت التي سكنوها في الرامة.

وقد اعتمدت محكمة العدل العليا في قرارها على الفقرة التالية: “طالما لا يوجد أمر إخلاء من جهة رسمية يحق لهم العودة الى بيوتهم”. كان ذلك تحديدًا في الواحد والثلاثين من تموز عام 1951 وفي ذات العام في الخامس عشر من أيلول وزع الحاكم العسكري أوامر الإخلاء، فأقدموا على هدم البلدة كليًّا في ليلة الميلاد المجيد في 24.12.1951.. ليلة الميلاد.

بعدها باشهر قاموا بقلع الأشجار المثمرة، وفي عام 1953 صادروا أراضي إقرث بحجتين، الأولى وهي حجة واهنة، أنّ الأراضي لم تكن تحت تصرف اصحابها منذ 14.5.1948 مع أنهم دخلوا القرية وكان سكانها لا يزالون فيها حتى تشرين من نفس العام. والحجة الثانية، أن الأراضي تمّ تخصيصها للتطوير والبناء.

بخصوص أمر الأخلاء، تمّ الإعتراض عليه بواسطة المحامي محمد نمر الهواري، حيث عقدت جلسة استئناف ضد الحاكم العسكري وقراراته. تمّت الجلسة في مبنى الحاكم العسكري في الناصرة، دون حضور المحامي، لأنها وحسب قرارهم الجلسة سريّة للغاية، وقد انتهت الجلسة بعد ساعتين من انعقادها، مع قرار أن أمر الإخلاء ساري المفعول!

لهذه الجلسة كان قد تقدّم المحامي بمجموعة أسئلة لليوم لم يحصل أهالي إقرث على إجابات، ولغاية اليوم لا يعرفون ما الذي حصل في جلسة الاستئناف، والبروتوكول لم حضر الجلسة لأسباب أمنية!

طيب وشو صار مع جيش الإنقاذ؟؟
بَحْ.. ما قُلنا بَحْ..
وإقرث؟؟
أيادينا معلّقة بألياف حبل الجرس…. راح نضلّ ندقّ الجرس.. حتّى يسمعونا أهل الرميش.. ما هي مسافة نص ساعة عالحمار!

Post Tags:

Total Comments ( 3 )

  • وضحى من حيفا says:

    مقال جميل جداً ومحزن جداً يصلح ان يكون رواية هذا مقال يجب ان يوثق في التاريخ لانه من رجل عاش تلك الفترة تماماً لا يزيد ولا ينقص في الرواية اهنئ نداء على هذه المبادرة .لكي يشهد التاريخ على معالمنا التى أسرع الاستعمار لمحوها.شكراً نداء

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*