لُولُو – د. خالد تركي

حين عرض التّلفزيون الإسرائيلي فيلمًا وثائقيًّا عن تاريخ الحزب الشُّيوعيّ في البلاد سألها المراسل، كيف تعرِّف نفسها، أجابت الرَّفيقة بنينة فايلر أو لولو كما كان يحلو لعمِّي أبو عائدة، داود تركي، أن يناديها باسمها الحركيّ لولو والتيعرفها منذ عضويَّته في الحزب الشُّيوعيّ: أنا شُيوعيَّة وبموجب ذلك أصوِّت رغم نقاشي مع الحزب.

لقد شاءت الصُّدف أن أُشاهد ذلك البرنامج وبين يديَّ كتابها باللغة العبريَّة “وَمَعْ ذَلِكَ..”(الصّادر عام 1995 كيبوتس يد حنَّا) حيث تكتب فيه وزوجها إليعيزر ذكرياتهما منذ طفولتهما ودراستهما الابتدائيّة في ألمانيا وقدومهما إلى بلادنا في ثلاثينات القرن الماضي بعد ملاحقات ومطاردات هتلر، بدايةً،للمعارضين الألمان لنهجه وسياسته، أنهما سرعان ما اكتشفوا شعار هرتسل “الكاذب من أساسه” (ص 39) شعب بدون أرض يعود لأرضٍ بدون شعب.

وما زالت لولو تذكُرُ نشيدًا ألمانيًّا نازيًّا أُجبرت على حفظهِ: إذا قَطَرَ السَّيفُ دمًا يهوديًّا فهذا يعني أنَّ إدارة العمل جيِّدة أكثر (ص 70)، ودائمًا كانا يخرجان من الصَّفِّ خلال درس النّشيد، استِنْكارًا. وبعد ذلك طُرِدا من المدرسة بعد أن رَفَضَا تحيَّة مدير المدرسة “هاي هتلر”.

عندما تكون فئة مضطَّهَدة بسبب انتمائها الدِّيني أو القومي أو الإثْني تجدها تتمسَّك بذلك الانتماء كردٍّ شرعيٍّ أمام هذا التَّحدِّي حيث تكتبُ لولو: طاردنا النّازيّون لأنّنا يهود، ولَم أشعر بديانتي اليهوديَّة في بيتنا..ولا بأيِّ ارتباط مع أرض إسرائيل. النَّازيُّون، هم الذين زرعوا في عظامنا الكبرياء اليهوديّ72).

وحين عاد أبنها درور من المدرسة مرَّةً سألَ أمَّه: أمِّي هل أنا قذِرٌ؟ أجابته: لا. سألها: إذًا لماذا يناديني طلاب المدرسة شُيوعيّ قذِر؟ أجابته: ما عليك إنّهم لا

يدرون ماذا يقولون!

عندما سألت مربية الحضانة درور: ماذا ستصبح حين تكبر؟ أجابها: طيَّارًا.

حين علِمت أمُّه بجوابه سألته: لماذا؟. قال: أريد أن أقود طائرة كبيرة وأرمي منها قنبلة كبيرة وأقتل كلَّ العرب! (ص 64)، عندها أخذ الوالدان طفليهما إلى النَّاصرة وحلّوا ضُيُوفًا علىالرِّفاق الذين أحسنوا وِفادتهم كما يعرف أهل النَّاصرة الطَّيِّبون والكرماء استقبال ضُيُوفِهم ورأوا حقيقة تناقض ما علَّموهما في المدرسة..

ويتابع زوجها: لكن مع مرور الزَّمن بدأوا يفتخرون بانتمائهم الشُّيوعيّ..

ومن شابه أباه فما ظلم فدرور هو صاحب الإبداع الفَنِّي “بَيْضَاءُ الثَّلْجِ وَجُنُونُ الحَقِيقَةِ” وفيه صورة هنادي جرادات، بعد تفجير مطعم ماتسا في حيفا، تسبح في بركة دمٍ على أنغام موسيقى باخ “قَلْبِي يَسْبَحُ فِي الدَّمِ” والتي أثارت أعصاب السَّفير الإسرائيلي في السويد حيث قام بإلقاء أعمدة الإنارة في البركة والباقي تعرفونه.  

كانت لولو ترافق عكيفا أور في زيارته الأسبوعيَّة لعمِّي داودأحيانًا كلَّ يوم جمعة. وعندما عادَهُ رفيقنا د. أنور جمَّال ليعاين وضعه الصِّحيّ أردتُ أن أعرِّفه على الرّفيقة لولو فأجابني وفاجأني بأنّه يلتقي معها كلَّ يوم سبت في قُرى الضّفَّة الغربيَّة من خلال نشاطهما في رابطة “أَطِبَّاءٌ بِلا حُدُودٍ” وبدأَتْتسرد معاناة شعبنا هناك، من وضع صحِّيٍّ واجتماعيٍّ متردٍّناهيك عن حالات الفقر لدرجة العوز وعدم مقدرتهم على مراجعة الأطِبَّاء واقتناء الدَّواء..

لولو فخورة بانتمائها الفكريّ واجتهادها المتضامن وعملها الرَّائد ونشاطها المثابر في دعم صمود أهلنا في القرى الفلسطينيَّة المحتلَّة كي يجتازوا شظف العيش وبؤسه ليكون رافعتهم نحو التَّحرُّر والاستقلال وتقرير المصير. ونحن أيضًا فخورون بلولو ورفاقها وفخورون بأُمَمِيَّتِنا ونضالنا المشترك اليهودي العربي لأنَّ هؤلاء هم أمل المستقبل ونوره، مستقبل العدالة الاجتماعيَّة..

Post Tags:

Total Comments ( 7 )

  • وضحى من حيفا says:

    دكتور خالد مقال يثلج القلب فيا ريت كل فرد من موقعه يقف لتوعية الآخرين بالنقاش الحي المقبول دون تجريح وهكذا ممكن ان يصل حقنا الى العالم لأننا اصحاب حق مسلوب

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*